تحذير: الموضوع طويل!
----
بقلم: جنديف ومبتدئ
كما شهدتم مؤخراً فقد تم إقرار قانون المطبوعات والنشر وسط ظروف غريبة ، حيث كان هناك نقاش موسع وخلافات كثيرة تحوم من حوله منذ أن قدمه المرحوم سامي المنيس قبل سنين عديدة ، إلا أنه تم إقراره بمداولتيه الأولى والثانية في ٤٥ دقيقة فقط وبإجماع حكومي نيابي.
بقراءة سريعة للقانون نستطيع أن نستخلص بعض الإيجابيات والسلبيات في القانون الجديد:
أبرز الإيجابيات (أو الإيجابيات الوحيدة):
أولاً: يفتح القانون الجديد الباب لطلب تراخيص صحف جديدة ، وهو باب كان موصداً إثر إرهاصات حل مجلس الأمة في ١٩٧٦ وتعليق مواد الدستور ، ومع الزمن أصبح شارع الصحافة محتكراً من قبل خمسة.
ثانياً: يجعل القانون الجديد النظر في التظلم المقدم من طالب ترخيص مرفوض بيد القضاء (المحكمة الإدارية) ، بعد أن كانت الحكومة هي الخصم (رافض الترخيص) والحكم (النظر في التظلم) في السابق.
ثالثاً: يعطي القانون الجديد المحكمة المختصة لوحدها حق إلغاء ترخيص الصحيفة.
أبرز السلبيات (نص المادة بالأحمر ، والتعليق بالأسود):
المادة ١١: يصدر الوزير المختص خلال تسعين يوماً من تاريخ تقديم الطلب قراراً بالموافقة على منح الترخيص أو رفضه فإذا انقضت المدة دون إصدار القرار اعتبر الطلب مرفوضاً.
ولذوي الشأن الطعن في القرار النهائي الصادر برفض الترخيص أمام الدائرة الإدارية وفقاً للاجراءات المنصوص عليها في المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 1981 خلال ستين يوماً من إبلاغهم بالقرار أو من تاريخ انتهاء المدة المشار إليها.
وهذا ما تنص عليه المادة الأولى من قانون إنشاء الدائرة الإدارية رقم (20) لسنة 1981:
"الطلبات التي يقدمها الأفراد أو الهيئات بإلغاء القرارات الإدارية النهائية عدا القرارات الصادرة في شأن مسائل الجنسية ، وإقامة وإبعاد غير الكويتيين ، وتراخيص إصدار الصحف والمجلات ودور العبادة."
أي تتظلم لدى الدائرة الإدارية ، فتقول لك "ليس من اختصاصنا."
المادة ١٥: .... يجوز لرئيس دائرة الجنايات او قاضي الامور المستعجلة عند الضرورة وبناء على طلب من النيابة العامة اصدار قرار بايقاف صدور الصحيفة مؤقتا لمدة لا تجاوز اسبوعين قابلة للتجديد اثناء التحقيق او المحاكمة.
هنا النيابة العامة هي الخصم ، مع ذلك تعطى الحق لطلب إيقاف الجريدة لمدة اسبوعين قابلة للتجديد بناء على قرار (وليس حكم) من القاضي ، أي إذا استمر التحقيق أو المحاكمة شهوراً فإن توقف الجريدة عن الصدور كل تلك الفترة أمر وارد ، حتى دون سماع أقوال رئيس التحرير. ولم يعط القانون الجريدة حق التظلم من قرار الإيقاف المؤقت ، فما أن يصدر القرار من القاضي فهو نافذ.
ثم نأتي للمواد ذات العبارات المطاطية المتروكة لتفسير القاضي:
المادة ١٩: يحظر نشر كل ما من شأنه المساس بالذات الالهية او الانبياء او بالصحابة او آل البيت او باصول العقيدة الاسلامية، بالطعن او السخرية او التجريح بالكتابة او الرسم او الصور او بأي وسيلة من وسائل التعبير الواردة بهذا القانون.
وتأتي "المطاطية" في هذه المادة في تعريف كل من الصحابة وأصول العقيدة الإسلامية ، حيث لا خلاف على تعريف الذات الإلهية والأنبياء ، ولكن الصحابة ليس عليهم اتفاق تام بين المذاهب المختلفة ، أما تعبير "أصول العقيدة الإسلامية" فلا أحد يعرف أين يوضع الخط الفاصل ما بين الأصول وغير الأصول.
من المفترض في حالات كهذه أن يميل القاضي لنص وروح أبي القوانين وهو الدستور ، بحيث تنصب أحكامه باتجاه تعزيز الحريات وتوسيعها ، ولكن تاريخنا الحديث يقول أنه إذا ترك الأمر لتفسير القاضي ، فعلى الأغلب سوف يميل لطبيعة المجتمع الحالي، وهو ميلان نحو التشدد والمحافظة في أغلب الأحيان وليس التحرر والانفتاح.
المادة ٢١ (باختصار): يحظر نشر كل ما من شأنه:
- خدش الآداب العامة او التحريض على مخالفة النظام العام او مخالفة القوانين او ارتكاب الجرائم ولو لم تقع الجريمة.
ما هي الآداب العامة؟ إسألوا القاضي.
- الأنباء عن الاتصالات السرية الرسمية ونشر الاتفاقيات والمعاهدات التي تعقدها حكومة الكويت قبل نشرها في الجريدة الرسمية إلا بإذن خاص من الوزارة المعنية.
بمعنى: يأتي توني بلير للكويت يوم الأثنين ويوقع اتفاقية ما بين دولة الكويت وبريطانيا ، ويدعى الصحفي لحفل التوقيع ، ويصور شخطة القلم وينشر الصورة والخبر في الصباح التالي بأن "الكويت وقعت اتفاقية مع بريطانيا."
فتسأل الصحفي: ما هي الاتفاقية؟ وماذا تنص عليه؟
الصحفي يرد: لا أستطيع أن أفصح لك ، يودوني بداهية.
فتسأل: كيف لي أن أعرف؟
فيرد: إنتظر حتى أحصل على إذن خاص من الخارجية.
فتسأل: وإن لم تأذن لك؟
فيرد: إنتظر حتى صدور الجريدة الرسمية "الكويت اليوم" يوم الأحد القادم بعد ستة أيام.
فتسأل: شينطرني ، هل من طريقة أخرى؟
فيرد: للأسف لا .. لحظة تذكرت .. تجد التفاصيل الليلة على البي بي سي وسي أن أن والجزيرة والشرق الأوسط وكل وسيلة اعلام أرسلت مراسلها لحفل التوقيع.
فترد أنت: إذاً أخباركم بايتة ، أكنسل اشتراكي مع جريدتكم وأتابعهم أفضل.
- التأثير في قيمة العملة الوطنية أو ما يؤدي الى زعزعة الثقة بالوضع الاقتصادي للبلاد او اخبار افلاس التجار او الشركات التجارية او المصارف او الصيارفة إلا بإذن خاص من المحكمة المختصة.
أي تقريباً نصف ما يكتب الآن عن البورصة والبنك المركزي قد يكون مخالف للقانون ، أو الخبر الذي انتشر قبل فترة بأن احتياطي الكويت النفطي مبالغ فيه يعد "زعزعة الثقة بالوضع الاقتصادي للبلاد" ، لن تستطيع نشر ذلك ولو كان صحيحاً ١٠٠٠٪ ، أي بالأفضل لك أن تكذب على القراء وتنشر خبراً غير صحيح بأن الاحتياطي كما هو معلن عنه ، أفضل من أن تكشف عن الحقيقة على افتراض أن حجم الاحتياطي فعلاً مبالغ فيه.
- كشف ما يدور في أي اجتماع او ما هو محرر في وثائق او مستندات او مراسيم او اي اوراق او مطبوعات قرر الدستور او اي قانون سريتها او عمد نشرها، ولو كان ما نشر عنها صحيحا ويقتصر النشر على ما يصدر عن ذلك من بيانات رسمية.
كل الصحف تتعايش على عبارة "ذكر مصدر مسؤول ..." ، إمنع عنها استخدامها وكأنك تمنع عن نفسك الأكسجين ، فبحكم هذه المادة يحضر على الصحفي نشر معلومات عن أي اجتماع حتى وإن كانت صحيحة ومعطاة له عمداً من طرف في الاجتماع ، فيحرم الصحفي الكويتي من الحصول على سبق صحفي ، بينما يهنأ به كل من الجزيرة والعربية والشرق الأوسط وغيرهم ، وبذلك يصبح مصدر أخبار صحفنا البيانات الرسمية ، وتتحول صحفنا لصحف "استقبل وودع".
إن في هذه المادة بالذات انقلاب على طبيعة الأمور ، لنأخذ اجتماعات مجلس الوزراء على سبيل المثال ، حيث نصت المادة ١٢٨ من الدستور على سريتها ، مع ذلك نرى أخبار مجلس الوزراء تسرب للصحافة لأي هدف كان. إن مهمة الصحفي الأساسية هي الحصول على المعلومة ، ومن مهام الوزير الحفاظ على سرية اجتماعات مجلس الوزراء ، ولأن مجلس الوزراء غير قادر على أن يضبط وزراءه ، يقوم بمعقابة الصحفي. من غير المعقول معاقبة شخص لأنه أدى عمله! لماذا يسمونها سلطة رابعة إذن؟
- ... نشر معلومات عن الأوضاع المالية لأشخاص ، أو إفشاء سر من شأنه أن يضر بسمعتهم أو بثروتهم أو بإسمهم التجاري.
أي على جريدة الأنباء أن تعزل (الساعة المباركة) لأن لن يكون بإمكانها نشر ما نشرته عن جاسم البحر قبل سنوات ، ولن يكون بإمكان أي جريدة نشر أي شيء عن عبدالسلام العوضي وقضية الشركة الأهلية ، أو التحدث عن ثروة علي الخليفة ، إلخ.
- الاضرار بالعلاقات بين الكويت وغيرها من الدول العربية او الصديقة اذا تم ذلك عن طريق الحملات الاعلامية.
أي لن يكون بإمكان أحمد الجارالله و "السياسة" إكمال انتقادهم للنظام السوري ، وسنرى إن كانت ستستمر بذاءات فؤاد الهاشم ونبيل الفضل تجاه بعض الدول والجنسيات ، ولو عاد بنا الزمن للوراء فلن يكون بإمكان صحفنا الرد على ادعاءات صدام حسين في ١٩٩٠ لأن العراق إلى الثاني من أغسطس كان "دولة عربية صديقة."
- خروج الصحيفة المتخصصة عن غرض الترخيص الممنوح لها.
أي إذا قامت صحيفة الجمعية الاقتصادية بنشر موضوع سياسي ، يا ويلها ويا سواد ليلها. ونرى أن هناك تجاوزات بالجملة على هذه الجزئية، فإنك بواقع العمل الصحفي من الصعب أن لا تجمع بين اختصاصات مختلفة كالسياسية والاقتصاد.
المادة ٢٧: مع عدم الاخلال بأي عقوبة اشد ينص عليها قانون آخر يعاقب رئيس التحرير وكاتب المقال أو المؤلف ...
لقد تم التسويق للقانون الجديد بأنه يلغي عقوبة السجن ، إلا أن عقوبة السجن مبطنة في هذه المادة ، فالإشارة إلى "قانون آخر" تنطبق على قانون الجزاء والذي يحتوي على عقوبات سجن ، لذلك فإن قانون المطبوعات الجديد لا يسجن الصحفي ، بل يحيله لقانون الجزاء ليسجنه. يذكر أن تبرير هذه الجزئية ينبع من أنه لا يجوز أن يسجن من يسبّك في الشارع ، ويغرم من يسبّك على صفحات الجريدة، إضافة إلى ذلك، فإن الغرامات لمن يخالف القانون عالية نسبياً قد تصل إلى عشرين ألف دينار كويتي ، وإذا لم يتم دفعها فسيؤدي ذلك إلى حبس المخالف.
وبمناسبة الحديث عن الغرامات العالية ، فإن ذلك يحول رؤساء التحرير إلى رقباء من داخل الجريدة تحسباً لأي غرامات ، وهو أمر يصب باتجاه عكس اتجاه الحرية ، إلا أن رئيس تحرير القبس ذكر في إحدى المناسبات أن رؤساء التحرير قبلوا بذلك كتسوية مقابل التخلص من عقوبات السجن ، وها هو القانون يحتوي بشكل غير مباشر على السجن.
.... يجوز للمحكمة الجزائية في أي من الحالات السابقة (كمخالفة المواد ١٩، ٢٠، و٢١) ان تأمر بإلغاء الترخيص او تعطيل الصحيفة مدة لا تزيد على سنة واحدة ومصادرة العدد المنشور وضبط النسخة والدعامة الاصلية المثبت عليها وإعدامها وإغلاق المطبعة المستخدمة في الطبع.
بمعنى ، إذا قام الكاتب سين بصفحة كتاب الأعمدة بالمساس بكرامة الموظف صاد ، يجوز للمحكمة تعطيل الصحيفة مؤقتاً أو إلغاء الترخيص بالكامل وإغلاق المطبعة ، وبذلك ينهار المبدأ الصحفي المتعارف عليه والمذكور بكل صفحة مقالات بأن "الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجريدة."
واضح جداً أن وزير الاعلام د. أنس الرشيد بذل جهداً جباراً لإقرار القانون ، وأثبت ، بحكم علاقاته في شارع الصحافة ، قدرته الفائقة على التسويق له رغم سلبياته العديدة ، وتفيد مصادر ساحة الصفاة (وهذه الجملة ممنوعة حسب القانون الجديد) أن الرشيد عندما التقى برئيس الوزراء آنذاك لمناقشة قانون المطبوعات، قدم ورقتين: ورقة قانون المطبوعات وورقة استقالته من الوزارة، وكأنه يقول –بما معناه- "يا أنا يا المطبوعات" ، وكنا من الذين تعجبوا من سماع ذلك ، ولكن الآن بعد الاطلاع على مساوئ القانون فلا عجب أن يلقى قبولاً لدى السلطة.
بداية أذكر بأني تقدمت لأحدى الأديبات الكويتيات المشهورة بدفاعها الدائم عن الحريات، وسألتها، "أستاذة.. ما رأيك بقانون المطبوعات؟" فقالت لي "ربعنا يقولون انه مو زين، ولكني لم أقرأه صراحة!"، وهكذا هو الحال فيما أظن مع نوّّابنا ومشرعينا، كم عضو من أعضاء المجلس الذين صوتوا بالإجماع قرأوا قانون المطبوعات المقترح قبل التصويت عليه ؟ بل كم مواطن كويتي قرأ القانون بنصه-علماً بأنه ليس طويلاً-؟
لقد كان مريباً جداً التكتم على مواد القانون طوال فترة صياغته إلى موعد مناقشته ، فلم تقم بنشره إلا جريدة القبس قبل أسبوع من موعد مناقشته في مجلس الأمة ، وإلى ذلك الحين فقد انشغلت جهات المجتمع وفعالياته بالاحتفال بإيجابيات القانون التي سوق لها الوزير باقتدار ، وعندما تم نشره كان الوقت متأخراً لتشكيل لوبي مؤثر لنقد وتعديل سلبياته ، ولو أنه تم تأجيل مناقشة القانون مع وفاة الشيخ جابر الأحمد ، إلا أن انشغال الجميع بالحداد ومن ثم أزمة الحكم لم تترك لقانون المطبوعات مجالاً لأي مناقشة.
صوت مجلس الأمة على قانون المطبوعات بالإجماع وبخمس وأربعين دقيقة فقط.. تماماً كما بايع المجلس سمو ولي العهد وسمو الأمير بالإجماع أيضاً، والإجماع ليست عادة برلمانية كما شهدت التجربة النيابية في الكويت.. أيضاً نتساءل.. ما هو السر وراء الإجماع؟ هل هو بداية تعاون بين مجلس الأمة وحكومة "العهد الجديد"؟ أم أن هناك شيء ما لا نعلم عنه يتعلق بصفقة حكومية-نيابية فيما يتعلق بالدوائر أو حقول الشمال؟ أم أن د.أنس الرشيد استخدم كل طاقته ولعبها صح ؟ كل شيء جائز في العهد الجديد!
شهد الرأي العام تحولاً غير مفسر فيما يتعلق بقانون المطبوعات، فقد رفضت قوى سياسية ونقابات صحفية القانون بشدة في بداية الأمر، إلا أنها شهدت تحولاً في مساندتها القانون وبشدة –باستثناء جمعية المحامين- في آخر الأمر. ويذكر أن نقابة الصحفيين والمراسلين الكويتية كانت تعارض قانون المطبوعات المقترح في بداية نقاشه، وأقام أعاضؤها ندوة أو أكثر يعارضون فيها القانون لأنه يجمح حريات وصلاحيات الصحفي المهني. وفي السياق مثله كتبت الطليعة في بداية الأمر بأن القانون لا يوفر الحد الأدنى من الحريات التي يوفرها الدستور الكويتي، ولكن في عددها الأخير بتاريخ 8 مارس 2006 عدّت قانون المطبوعات كإنجاز وطني، فما هو سر هذا التحول يا ترى؟ هي هو إعادة قراءة للقانون؟ أو ربما هو أمل المؤيدون بإقرار القانون أولاً بصورته الحالية، ومن ثم العمل على التعديلات لاحقاً.
الخلاصة.. أعتقد بأننا وصلنا إلى مرحلة نرضى فيها حتى بالفتات ، النفس الإصلاحي العام اليوم كأنه يقول لنا: "احمدوا ربكم عطيناكم هالحريات"، وكل الإيجايبات المطروحة في القانون الجديد هي مقارنة بالقانون القديم الغير دستوري، وهذه مقارنة مجحفة، من الخطأ أن يصبح القانون القديم هو المقياس في تحديد الحريات الصحفية، الدستور هو الأساس، ولا شيء غير ذلك ، وقد يخفف البعض من حدة السلبيات بالقول أن معظمها ستبقى قانوناً على ورق لتظل أداة بيد الحكومة في حالات الضرورة القصوى ، وهذا قول مردود عليه لأن وجود هذه المساوئ على الورق بحد ذاته يختلف وروح الدستور ومدعاة للخزي ، وطالما تم استخدام "الضرورة" مبرراً فأنها تبقى متاحة للاستخدام السيئ ، تماماً كما سيق نفس عذر "الضرورة" في السابق عند تعليق مواد الدستور.
قانون المطبوعات بالتأكيد هو ليس بالقانون المثالي ولا حتى هو بالقريب من ذلك، ولكنه كما يقول الأمريكان: خطوة واحدة للأمام وخطوتان للخلف. فالقانون الجديد ما زال يحمل سلبيات عديدة كما ذكرنا آنفاً ، هو قانون ينتفع منه أصحاب الامتياز ويقيد به الصحفي في ممارسة مهنته، ولكن إذا أردنا أن نكون متفائلين ، فهذا قانون جديد أقرّه المجلس، قابل للتعديل في المستقبل، ورغم كل سلبياته فالقانون يعزز بعض الأساسيات في الصحافة الكويتية كحرية اصدار الصحف واللجوء إلى القضاء. ولكن يبقى السؤال مطروحاً للجميع: في ظل هذه الأوضاع التي مرت فيها البلد والوضع السياسي المتردي، إذا كنت نائباً أو نائبة في مجلس الأمة وقد تلي اسمك لتصوت على القانون الجديد، فكيف ستصوت؟
-----
المراجع
القبس: خمس نقاط تهدد الحريات.
الوطن: نص قانون المطبوعات
----
بقلم: جنديف ومبتدئ
كما شهدتم مؤخراً فقد تم إقرار قانون المطبوعات والنشر وسط ظروف غريبة ، حيث كان هناك نقاش موسع وخلافات كثيرة تحوم من حوله منذ أن قدمه المرحوم سامي المنيس قبل سنين عديدة ، إلا أنه تم إقراره بمداولتيه الأولى والثانية في ٤٥ دقيقة فقط وبإجماع حكومي نيابي.
بقراءة سريعة للقانون نستطيع أن نستخلص بعض الإيجابيات والسلبيات في القانون الجديد:
أبرز الإيجابيات (أو الإيجابيات الوحيدة):
أولاً: يفتح القانون الجديد الباب لطلب تراخيص صحف جديدة ، وهو باب كان موصداً إثر إرهاصات حل مجلس الأمة في ١٩٧٦ وتعليق مواد الدستور ، ومع الزمن أصبح شارع الصحافة محتكراً من قبل خمسة.
ثانياً: يجعل القانون الجديد النظر في التظلم المقدم من طالب ترخيص مرفوض بيد القضاء (المحكمة الإدارية) ، بعد أن كانت الحكومة هي الخصم (رافض الترخيص) والحكم (النظر في التظلم) في السابق.
ثالثاً: يعطي القانون الجديد المحكمة المختصة لوحدها حق إلغاء ترخيص الصحيفة.
أبرز السلبيات (نص المادة بالأحمر ، والتعليق بالأسود):
المادة ١١: يصدر الوزير المختص خلال تسعين يوماً من تاريخ تقديم الطلب قراراً بالموافقة على منح الترخيص أو رفضه فإذا انقضت المدة دون إصدار القرار اعتبر الطلب مرفوضاً.
ولذوي الشأن الطعن في القرار النهائي الصادر برفض الترخيص أمام الدائرة الإدارية وفقاً للاجراءات المنصوص عليها في المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 1981 خلال ستين يوماً من إبلاغهم بالقرار أو من تاريخ انتهاء المدة المشار إليها.
وهذا ما تنص عليه المادة الأولى من قانون إنشاء الدائرة الإدارية رقم (20) لسنة 1981:
"الطلبات التي يقدمها الأفراد أو الهيئات بإلغاء القرارات الإدارية النهائية عدا القرارات الصادرة في شأن مسائل الجنسية ، وإقامة وإبعاد غير الكويتيين ، وتراخيص إصدار الصحف والمجلات ودور العبادة."
أي تتظلم لدى الدائرة الإدارية ، فتقول لك "ليس من اختصاصنا."
المادة ١٥: .... يجوز لرئيس دائرة الجنايات او قاضي الامور المستعجلة عند الضرورة وبناء على طلب من النيابة العامة اصدار قرار بايقاف صدور الصحيفة مؤقتا لمدة لا تجاوز اسبوعين قابلة للتجديد اثناء التحقيق او المحاكمة.
هنا النيابة العامة هي الخصم ، مع ذلك تعطى الحق لطلب إيقاف الجريدة لمدة اسبوعين قابلة للتجديد بناء على قرار (وليس حكم) من القاضي ، أي إذا استمر التحقيق أو المحاكمة شهوراً فإن توقف الجريدة عن الصدور كل تلك الفترة أمر وارد ، حتى دون سماع أقوال رئيس التحرير. ولم يعط القانون الجريدة حق التظلم من قرار الإيقاف المؤقت ، فما أن يصدر القرار من القاضي فهو نافذ.
ثم نأتي للمواد ذات العبارات المطاطية المتروكة لتفسير القاضي:
المادة ١٩: يحظر نشر كل ما من شأنه المساس بالذات الالهية او الانبياء او بالصحابة او آل البيت او باصول العقيدة الاسلامية، بالطعن او السخرية او التجريح بالكتابة او الرسم او الصور او بأي وسيلة من وسائل التعبير الواردة بهذا القانون.
وتأتي "المطاطية" في هذه المادة في تعريف كل من الصحابة وأصول العقيدة الإسلامية ، حيث لا خلاف على تعريف الذات الإلهية والأنبياء ، ولكن الصحابة ليس عليهم اتفاق تام بين المذاهب المختلفة ، أما تعبير "أصول العقيدة الإسلامية" فلا أحد يعرف أين يوضع الخط الفاصل ما بين الأصول وغير الأصول.
من المفترض في حالات كهذه أن يميل القاضي لنص وروح أبي القوانين وهو الدستور ، بحيث تنصب أحكامه باتجاه تعزيز الحريات وتوسيعها ، ولكن تاريخنا الحديث يقول أنه إذا ترك الأمر لتفسير القاضي ، فعلى الأغلب سوف يميل لطبيعة المجتمع الحالي، وهو ميلان نحو التشدد والمحافظة في أغلب الأحيان وليس التحرر والانفتاح.
المادة ٢١ (باختصار): يحظر نشر كل ما من شأنه:
- خدش الآداب العامة او التحريض على مخالفة النظام العام او مخالفة القوانين او ارتكاب الجرائم ولو لم تقع الجريمة.
ما هي الآداب العامة؟ إسألوا القاضي.
- الأنباء عن الاتصالات السرية الرسمية ونشر الاتفاقيات والمعاهدات التي تعقدها حكومة الكويت قبل نشرها في الجريدة الرسمية إلا بإذن خاص من الوزارة المعنية.
بمعنى: يأتي توني بلير للكويت يوم الأثنين ويوقع اتفاقية ما بين دولة الكويت وبريطانيا ، ويدعى الصحفي لحفل التوقيع ، ويصور شخطة القلم وينشر الصورة والخبر في الصباح التالي بأن "الكويت وقعت اتفاقية مع بريطانيا."
فتسأل الصحفي: ما هي الاتفاقية؟ وماذا تنص عليه؟
الصحفي يرد: لا أستطيع أن أفصح لك ، يودوني بداهية.
فتسأل: كيف لي أن أعرف؟
فيرد: إنتظر حتى أحصل على إذن خاص من الخارجية.
فتسأل: وإن لم تأذن لك؟
فيرد: إنتظر حتى صدور الجريدة الرسمية "الكويت اليوم" يوم الأحد القادم بعد ستة أيام.
فتسأل: شينطرني ، هل من طريقة أخرى؟
فيرد: للأسف لا .. لحظة تذكرت .. تجد التفاصيل الليلة على البي بي سي وسي أن أن والجزيرة والشرق الأوسط وكل وسيلة اعلام أرسلت مراسلها لحفل التوقيع.
فترد أنت: إذاً أخباركم بايتة ، أكنسل اشتراكي مع جريدتكم وأتابعهم أفضل.
- التأثير في قيمة العملة الوطنية أو ما يؤدي الى زعزعة الثقة بالوضع الاقتصادي للبلاد او اخبار افلاس التجار او الشركات التجارية او المصارف او الصيارفة إلا بإذن خاص من المحكمة المختصة.
أي تقريباً نصف ما يكتب الآن عن البورصة والبنك المركزي قد يكون مخالف للقانون ، أو الخبر الذي انتشر قبل فترة بأن احتياطي الكويت النفطي مبالغ فيه يعد "زعزعة الثقة بالوضع الاقتصادي للبلاد" ، لن تستطيع نشر ذلك ولو كان صحيحاً ١٠٠٠٪ ، أي بالأفضل لك أن تكذب على القراء وتنشر خبراً غير صحيح بأن الاحتياطي كما هو معلن عنه ، أفضل من أن تكشف عن الحقيقة على افتراض أن حجم الاحتياطي فعلاً مبالغ فيه.
- كشف ما يدور في أي اجتماع او ما هو محرر في وثائق او مستندات او مراسيم او اي اوراق او مطبوعات قرر الدستور او اي قانون سريتها او عمد نشرها، ولو كان ما نشر عنها صحيحا ويقتصر النشر على ما يصدر عن ذلك من بيانات رسمية.
كل الصحف تتعايش على عبارة "ذكر مصدر مسؤول ..." ، إمنع عنها استخدامها وكأنك تمنع عن نفسك الأكسجين ، فبحكم هذه المادة يحضر على الصحفي نشر معلومات عن أي اجتماع حتى وإن كانت صحيحة ومعطاة له عمداً من طرف في الاجتماع ، فيحرم الصحفي الكويتي من الحصول على سبق صحفي ، بينما يهنأ به كل من الجزيرة والعربية والشرق الأوسط وغيرهم ، وبذلك يصبح مصدر أخبار صحفنا البيانات الرسمية ، وتتحول صحفنا لصحف "استقبل وودع".
إن في هذه المادة بالذات انقلاب على طبيعة الأمور ، لنأخذ اجتماعات مجلس الوزراء على سبيل المثال ، حيث نصت المادة ١٢٨ من الدستور على سريتها ، مع ذلك نرى أخبار مجلس الوزراء تسرب للصحافة لأي هدف كان. إن مهمة الصحفي الأساسية هي الحصول على المعلومة ، ومن مهام الوزير الحفاظ على سرية اجتماعات مجلس الوزراء ، ولأن مجلس الوزراء غير قادر على أن يضبط وزراءه ، يقوم بمعقابة الصحفي. من غير المعقول معاقبة شخص لأنه أدى عمله! لماذا يسمونها سلطة رابعة إذن؟
- ... نشر معلومات عن الأوضاع المالية لأشخاص ، أو إفشاء سر من شأنه أن يضر بسمعتهم أو بثروتهم أو بإسمهم التجاري.
أي على جريدة الأنباء أن تعزل (الساعة المباركة) لأن لن يكون بإمكانها نشر ما نشرته عن جاسم البحر قبل سنوات ، ولن يكون بإمكان أي جريدة نشر أي شيء عن عبدالسلام العوضي وقضية الشركة الأهلية ، أو التحدث عن ثروة علي الخليفة ، إلخ.
- الاضرار بالعلاقات بين الكويت وغيرها من الدول العربية او الصديقة اذا تم ذلك عن طريق الحملات الاعلامية.
أي لن يكون بإمكان أحمد الجارالله و "السياسة" إكمال انتقادهم للنظام السوري ، وسنرى إن كانت ستستمر بذاءات فؤاد الهاشم ونبيل الفضل تجاه بعض الدول والجنسيات ، ولو عاد بنا الزمن للوراء فلن يكون بإمكان صحفنا الرد على ادعاءات صدام حسين في ١٩٩٠ لأن العراق إلى الثاني من أغسطس كان "دولة عربية صديقة."
- خروج الصحيفة المتخصصة عن غرض الترخيص الممنوح لها.
أي إذا قامت صحيفة الجمعية الاقتصادية بنشر موضوع سياسي ، يا ويلها ويا سواد ليلها. ونرى أن هناك تجاوزات بالجملة على هذه الجزئية، فإنك بواقع العمل الصحفي من الصعب أن لا تجمع بين اختصاصات مختلفة كالسياسية والاقتصاد.
المادة ٢٧: مع عدم الاخلال بأي عقوبة اشد ينص عليها قانون آخر يعاقب رئيس التحرير وكاتب المقال أو المؤلف ...
لقد تم التسويق للقانون الجديد بأنه يلغي عقوبة السجن ، إلا أن عقوبة السجن مبطنة في هذه المادة ، فالإشارة إلى "قانون آخر" تنطبق على قانون الجزاء والذي يحتوي على عقوبات سجن ، لذلك فإن قانون المطبوعات الجديد لا يسجن الصحفي ، بل يحيله لقانون الجزاء ليسجنه. يذكر أن تبرير هذه الجزئية ينبع من أنه لا يجوز أن يسجن من يسبّك في الشارع ، ويغرم من يسبّك على صفحات الجريدة، إضافة إلى ذلك، فإن الغرامات لمن يخالف القانون عالية نسبياً قد تصل إلى عشرين ألف دينار كويتي ، وإذا لم يتم دفعها فسيؤدي ذلك إلى حبس المخالف.
وبمناسبة الحديث عن الغرامات العالية ، فإن ذلك يحول رؤساء التحرير إلى رقباء من داخل الجريدة تحسباً لأي غرامات ، وهو أمر يصب باتجاه عكس اتجاه الحرية ، إلا أن رئيس تحرير القبس ذكر في إحدى المناسبات أن رؤساء التحرير قبلوا بذلك كتسوية مقابل التخلص من عقوبات السجن ، وها هو القانون يحتوي بشكل غير مباشر على السجن.
.... يجوز للمحكمة الجزائية في أي من الحالات السابقة (كمخالفة المواد ١٩، ٢٠، و٢١) ان تأمر بإلغاء الترخيص او تعطيل الصحيفة مدة لا تزيد على سنة واحدة ومصادرة العدد المنشور وضبط النسخة والدعامة الاصلية المثبت عليها وإعدامها وإغلاق المطبعة المستخدمة في الطبع.
بمعنى ، إذا قام الكاتب سين بصفحة كتاب الأعمدة بالمساس بكرامة الموظف صاد ، يجوز للمحكمة تعطيل الصحيفة مؤقتاً أو إلغاء الترخيص بالكامل وإغلاق المطبعة ، وبذلك ينهار المبدأ الصحفي المتعارف عليه والمذكور بكل صفحة مقالات بأن "الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجريدة."
---------
يا أنا يا المطبوعات
واضح جداً أن وزير الاعلام د. أنس الرشيد بذل جهداً جباراً لإقرار القانون ، وأثبت ، بحكم علاقاته في شارع الصحافة ، قدرته الفائقة على التسويق له رغم سلبياته العديدة ، وتفيد مصادر ساحة الصفاة (وهذه الجملة ممنوعة حسب القانون الجديد) أن الرشيد عندما التقى برئيس الوزراء آنذاك لمناقشة قانون المطبوعات، قدم ورقتين: ورقة قانون المطبوعات وورقة استقالته من الوزارة، وكأنه يقول –بما معناه- "يا أنا يا المطبوعات" ، وكنا من الذين تعجبوا من سماع ذلك ، ولكن الآن بعد الاطلاع على مساوئ القانون فلا عجب أن يلقى قبولاً لدى السلطة.
من قرأ القانون؟
بداية أذكر بأني تقدمت لأحدى الأديبات الكويتيات المشهورة بدفاعها الدائم عن الحريات، وسألتها، "أستاذة.. ما رأيك بقانون المطبوعات؟" فقالت لي "ربعنا يقولون انه مو زين، ولكني لم أقرأه صراحة!"، وهكذا هو الحال فيما أظن مع نوّّابنا ومشرعينا، كم عضو من أعضاء المجلس الذين صوتوا بالإجماع قرأوا قانون المطبوعات المقترح قبل التصويت عليه ؟ بل كم مواطن كويتي قرأ القانون بنصه-علماً بأنه ليس طويلاً-؟
لقد كان مريباً جداً التكتم على مواد القانون طوال فترة صياغته إلى موعد مناقشته ، فلم تقم بنشره إلا جريدة القبس قبل أسبوع من موعد مناقشته في مجلس الأمة ، وإلى ذلك الحين فقد انشغلت جهات المجتمع وفعالياته بالاحتفال بإيجابيات القانون التي سوق لها الوزير باقتدار ، وعندما تم نشره كان الوقت متأخراً لتشكيل لوبي مؤثر لنقد وتعديل سلبياته ، ولو أنه تم تأجيل مناقشة القانون مع وفاة الشيخ جابر الأحمد ، إلا أن انشغال الجميع بالحداد ومن ثم أزمة الحكم لم تترك لقانون المطبوعات مجالاً لأي مناقشة.
إجماع .. موافقة.. ٤٥ دقيقة
صوت مجلس الأمة على قانون المطبوعات بالإجماع وبخمس وأربعين دقيقة فقط.. تماماً كما بايع المجلس سمو ولي العهد وسمو الأمير بالإجماع أيضاً، والإجماع ليست عادة برلمانية كما شهدت التجربة النيابية في الكويت.. أيضاً نتساءل.. ما هو السر وراء الإجماع؟ هل هو بداية تعاون بين مجلس الأمة وحكومة "العهد الجديد"؟ أم أن هناك شيء ما لا نعلم عنه يتعلق بصفقة حكومية-نيابية فيما يتعلق بالدوائر أو حقول الشمال؟ أم أن د.أنس الرشيد استخدم كل طاقته ولعبها صح ؟ كل شيء جائز في العهد الجديد!
التحـــــول
شهد الرأي العام تحولاً غير مفسر فيما يتعلق بقانون المطبوعات، فقد رفضت قوى سياسية ونقابات صحفية القانون بشدة في بداية الأمر، إلا أنها شهدت تحولاً في مساندتها القانون وبشدة –باستثناء جمعية المحامين- في آخر الأمر. ويذكر أن نقابة الصحفيين والمراسلين الكويتية كانت تعارض قانون المطبوعات المقترح في بداية نقاشه، وأقام أعاضؤها ندوة أو أكثر يعارضون فيها القانون لأنه يجمح حريات وصلاحيات الصحفي المهني. وفي السياق مثله كتبت الطليعة في بداية الأمر بأن القانون لا يوفر الحد الأدنى من الحريات التي يوفرها الدستور الكويتي، ولكن في عددها الأخير بتاريخ 8 مارس 2006 عدّت قانون المطبوعات كإنجاز وطني، فما هو سر هذا التحول يا ترى؟ هي هو إعادة قراءة للقانون؟ أو ربما هو أمل المؤيدون بإقرار القانون أولاً بصورته الحالية، ومن ثم العمل على التعديلات لاحقاً.
الخلاصة.. خطوة للأمام ، وخطوتان للخلف
الخلاصة.. أعتقد بأننا وصلنا إلى مرحلة نرضى فيها حتى بالفتات ، النفس الإصلاحي العام اليوم كأنه يقول لنا: "احمدوا ربكم عطيناكم هالحريات"، وكل الإيجايبات المطروحة في القانون الجديد هي مقارنة بالقانون القديم الغير دستوري، وهذه مقارنة مجحفة، من الخطأ أن يصبح القانون القديم هو المقياس في تحديد الحريات الصحفية، الدستور هو الأساس، ولا شيء غير ذلك ، وقد يخفف البعض من حدة السلبيات بالقول أن معظمها ستبقى قانوناً على ورق لتظل أداة بيد الحكومة في حالات الضرورة القصوى ، وهذا قول مردود عليه لأن وجود هذه المساوئ على الورق بحد ذاته يختلف وروح الدستور ومدعاة للخزي ، وطالما تم استخدام "الضرورة" مبرراً فأنها تبقى متاحة للاستخدام السيئ ، تماماً كما سيق نفس عذر "الضرورة" في السابق عند تعليق مواد الدستور.
قانون المطبوعات بالتأكيد هو ليس بالقانون المثالي ولا حتى هو بالقريب من ذلك، ولكنه كما يقول الأمريكان: خطوة واحدة للأمام وخطوتان للخلف. فالقانون الجديد ما زال يحمل سلبيات عديدة كما ذكرنا آنفاً ، هو قانون ينتفع منه أصحاب الامتياز ويقيد به الصحفي في ممارسة مهنته، ولكن إذا أردنا أن نكون متفائلين ، فهذا قانون جديد أقرّه المجلس، قابل للتعديل في المستقبل، ورغم كل سلبياته فالقانون يعزز بعض الأساسيات في الصحافة الكويتية كحرية اصدار الصحف واللجوء إلى القضاء. ولكن يبقى السؤال مطروحاً للجميع: في ظل هذه الأوضاع التي مرت فيها البلد والوضع السياسي المتردي، إذا كنت نائباً أو نائبة في مجلس الأمة وقد تلي اسمك لتصوت على القانون الجديد، فكيف ستصوت؟
-----
المراجع
القبس: خمس نقاط تهدد الحريات.
الوطن: نص قانون المطبوعات


0 коммент.:
Speak up your mind
Tell us what you're thinking... !